عبد الملك الجويني
300
الشامل في أصول الدين
ومما تستند دلالتنا إليه أن الاختصاص بالجهة يقتضي كونا ، ثم ذلك الكون حادث ، وهذا لا يستقيم على أصول المعتزلة من وجهين : أحدهما : أنا صددناهم عن إثبات أصل الأكوان ، وسددنا عليهم طرق الأدلة فيها في صدر الكتاب . والوجه الآخر أن نقول : بم تنكرون على من يزعم أنه يختص بجهة ، بكون حادث يخلقه في غير محل ، كما يختص بكونه مريدا لإرادة حادثة يخلقها في غير محل ؟ وهذا ما لا يجدون عنه محيصا . وقد رام المعتزلة صدنا عن نفي الجهة من حيث أثبتنا الرؤية . وقالوا : لا تتعلق الرؤية إلا بمتحيز أو قائم بمتحيز ، وهذا الذي ذكروه دعوى محضة . فيقال لهم : لم تأبون رؤية ما لا يتحيز ، وهلا صححتموها كما صححتم العلم بما لا يتحيز ؟ فإن قالوا : إنما ذلك لأن الرؤية لا تثبت إلا باتصال شعاع بالمرئي من الرائي ، ولا وجه للخوض في الشعاع ، فإنه من أعظم أبواب الإدراكات . والذي يجتزئ المحصل به هاهنا أن يطالب خصمه بالدليل على اشتراط اتصال الشعاع ، فلا يرجعون عند توجيه الطلبة إلا إلى عادات ربما تطرد ، وربما لا تطرد ، ولا معنى للتمسك بالعادات على أصول أهل الحق ، فإن التمسك بها يجر إلى الدهر والاتحاد . مسألة [ جواز قيام الحوادث بذات القديم سبحانه وتعالى ] اتفق أهل الحق على استحالة قيام الحوادث بذات القديم سبحانه وتعالى ، ولم يصر أحد من أهل الملل والنحل - بعد المجوس - إلى تجويز قيام الحوادث بالقديم إلا الكرامية . فإنهم صاروا إلى تجويز قيام بعض الحوادث بالقديم ، تعالى عن قولهم ، ونحن نفصل الآن مذهبهم قبل الخوض في الرد عليهم . فمن قضية أصلهم أنه يحدث بالقدرة قول حادث ، قائم بالذات ، وجواهر العالم وأعراضها محدثة عندهم بالإحداث ، والإحداث عندهم قول اللّه « كن » ؛ فجملة العالم أحدثه اللّه بقوله ، والقول ، وجد حادثا قائم بذاته بالقدرة . ثم من أصلهم : أن الرب سبحانه وتعالى يقوم بذاته من الأقوال الحادثة بعدد المحدثات ، ولا يحدث اللّه جوهرا ولا عرضا إلا يحدث في ذاته قوله له « كُنْ » وذلك القول إحداث لذلك المحدث .